مروان وحيد شعبان
110
الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث
إلا أن الإمام الغزالي يعتبر أول من أثار هذا الموضوع ، وطرحه في الأوساط ، ولذلك نجده قد عقد في كتابه الشهير « إحياء علوم الدين » بابا في آداب تلاوة القرآن وعنونه « في فهم القرآن وتفسيره بالرأي من غير نقل » والذي قال فيه : ( الأخبار والآثار تدل على أن في معاني القرآن متسعا لأرباب الفهم ، قال علي رضي اللّه عنه : إلا أن يؤتي اللّه عبدا فهما في القرآن ، فإن لم يكن سوى الترجمة المنقولة فما ذلك الفهم ؟ وقال : إن للقرآن ظهرا وبطنا وحدّا ومطلعا ، ثم يسوق أثرا عن ابن مسعود فيقول : وقال ابن مسعود رضي اللّه عنه : من أراد علم الأوّلين والآخرين فليتدبر القرآن وذلك لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر ، ثم يقول : وبالجملة ، فالعلوم كلها داخلة في أفعال اللّه عز وجلّ وصفاته وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته ، وهذه العلوم لا نهاية لها ، وفي القرآن إشارة إلى مجامعها والمقامات في التعمق في تفصيله راجع إلى فهم القرآن ، ومجرد ظاهر التفسير لا يشير إلى ذلك ، بل كل ما أشكل فيه على النظار واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات ، ففي القرآن إليه رموز ودلالات عليه يختص أهل الفهم بدركها ، فكيف يفي بذلك ترجمة ظاهره وتفسيره ؟ ) « 1 » . وفي كتابه « جواهر القرآن » والذي ألفه بعد الإحياء نرى الإمام الغزالي عاد إلى نفس الموضوع ليتوسع فيه ، وقد ذكر في الفصل الأول أن القرآن هو البحر المحيط وينطوي على أصناف الجواهر والنفائس يقول : ( أو ما بلغك أن القرآن هو البحر المحيط ، ومنه يتشعب علم الأولين والآخرين كما يتشعب عن سواحل البحر المحيط أنهارها وجداولها ؟ ) « 2 » . وفي الفصل الرابع من نفس الكتاب والذي عنونه بكيفية انشعاب العلوم الدينية كلها عن الأقسام العشرة المذكورة ، نجده قد قسّم علوم القرآن إلى قسمين : ( القسم الأول : علم الصّدف ، واعتبر الصدف أول ما يظهر ، ثم يقف بعض الواصلين إلى الصدف على الصدف ، وبعضهم يفتق الصدف ويطالع الدرّ ، فكذلك صدف جواهر القرآن . . . وقد جعل منه علوم اللغة والنحو والقراءات ، وعلم مخارج
--> ( 1 ) إحياء علوم الدين ، الإمام أبي حامد محمد بن محمد بن الغزالي الطوسي ، بيروت ، دار الفكر ، 1995 ، 1 / 272 . ( 2 ) جواهر القرآن ، الإمام أبي حامد محمد بن محمد بن الغزالي الطوسي ، بيروت ، دار إحياء علوم الدين ، تحقيق ، محمد رشيد رضا القباني ، الطبعة الثانية ، 1406 ه / 1996 ، ص : 23 .